- ١ –

ما أصعب الدنيا على إنسان يتدحرج إليها فيرميه حظه على قطعة قرية تتخاصم عليها دولتان، أن تظلمه الحياة وتقدمه من “نور رحم أمه” إلى “ظلمة الدنيا”، أن يتكون من حيوان منوي جالس بويضة.. فيعيش الحياة مقسوماً كإبن لوالدين تطلقا، أن تدور الدنيا ضد دورته في الحياة فيصحو هارباً من دولة.. منفي من الأخرى!.

الوقوف على أنصاف الأشياء متعب.. مؤذي.. منهك للجسد.. بعد تدميره التام للروح، كنت أصف الذين توقفوا في حياتهم على البقاء في منطقة الوسط، أنهم مجاهدون ومكافحون. حسناً! ربما كنت مثالياً! أو ربما كنت أتتبع ما أهوى!. القصة بإختصار أنك تجلس في منطقة معلقة، شبيه إلى حدٍ ما بالعناية المركزة.. الفرق الحقيقي بين منطقتك وبين العناية المركزة، أن العناية تملك طريقين (إما نجاة، أو موت) وقوفك معلقاً -دائماً- ما ينتهي بك بطريق أوحد.

قبل أيام قليلة، عشت ثلاثة أيام أتنقل فيها بين أربع مستشفيات، مستشفيات خاصة.. حكومية.. إسعاف صغير يشبه الكفن.. تداخل في جسدي الكثير من المدعو “مغذي”، شفط من جسدي بقدر ذاك العدد دماً، دماً يحمل سري وإصراري وضحكي ودمعي.

لم يتفضل هذا التعب على أتعابي الباقية سوى أنه حوى الكثير من الوهن، أصاب بالصحو.. وقد شممت الجنة.. فأعود ميتاً للحياة الدنيا!. كنت أصحوا.. على صدى “سلاماً سلاماً”.. و أعود مكفناً لكم في أمر الطبيب “أن أقدم شيئاً من خراج جسدي للمختبر”.أعلم يقيناً أن حديثي عن الصحة، وكونها نعمة أحسدكم عليها، هو كلام تراجيدي ستتجاوزه العين بكل سهولة، لكنني أصر وأعاند وأكتب لك هذا السطر عبطاً.. يارفاقي، تملكون طريقاً يسيراً يخرج مازاد من الماء في أقاصي جسدكم، تملكون درباً يطرد القطرات بسهولة.. قطرةً قطرةً.

أنا لست محروماً إلى هذا الحد.. لكنني في أيامي التي مضت، مع كل زيارة للطبيب لدخول غرفتي، أتوقع أن يعلن: Dr.Musab .. Your Kidney Shutdown.. أن يخبرني أن كليتي تعلن وبشكل رسمي فشلها عن إستمرار وظيفتها.

وصل بي حالي.. أنني لم أعد قادر بأي شكل على مجاراة هذه الإنتحار المبهم الوقوع!. أخذت ورقة الخروج ضد نصائح الأطباء/الشياطين.. وقعت عليها، وهربت ومعي من المستشفى ١٢ وحدة ماء، أحاول أن أزرع كلىً أخرى في جسدي، أو ينظر لي ربي ويحيّ ما كان فيني من موات!.

سأكون صادقاً للمرة الثانية في حياتي.. والله كنت أنظر لآخر القطرات كيف تتساقط!، كنت أحسب الدقائق حتى تمضي تلك الليلة.

ثلاث ليال مضتْ، كنت معلقاً بأمآلي وألآمي، معلقاً أن أمضي بقية حياتي بكلية أخرى ستلحق أختها -ربما- يوماً ما، أنني ربما لن أنجوا من أصوات طنين الأجهزة من حولي، أنني ربما سأعيش لحظة خروج قطعة مني، كانت تحمل هماً لتطهير هذا الجسد!، تأكدت جيداً قيمة أن تُجبر على فقد شيء يخصك.. يخصك وحدك!.. لا يشاطرك فيه أحد!.. حتى وإن كان يلفظ خراج جسدك.. فتركه “جبراً” يظل حدثاً مؤلم!.

ينجيني الله برحمته.. أعود مُجبراً على أن أهتم بشكل أكبر بأمر الحصوى، أن أجري عمليتي خلال هذا الشهر القادم، أو سأعود مجبراً لأنصاف الأشياء.. والمزيد المزيد من الألم.

خرجت من المستشفى، أريد أمراً أوحداً، بعد شكر الله، أن أبحث عن روح بعيدة.. بعيدة جداً عن موطني، شعرت بالألم أكثر مما شعرت.. أحست بالتعب والعتب، تعباً أنهكها لمثل ماتعبت، وعتباً على البعد الذي إختار موطناً بيننا !.

تظل هذه الروح.. تتنزل عليّ في الفرح، فأعيش سؤالاً تخيلياً “كيف سأحتوي هذا الفرح لو كان معها؟”. تتنزل عليّ في التعب، فأعود لذات العيش “كيف سيسهل -كثيراً- هذا التعب لو قاسمتني معظمه بعينها التي تغرغر شقايةً؟”.

سأظل ضائع الخطوات في مسيرة حياتي، أو كما تسميني أمي: مستلذ الضياع!. لكن البحث عن هذه الروح، عن سبيل الوصول لها، عن أخذها، عن إعادة ترتيب الحياة بين يديها، هو الدليل الوحيد.. قد تكون مبالغة! لكنني طيب!.


- تم تطوير كامل المدونة، رسمها كان عمل فني تطلب تركيزاً بما فيها عنوانها العادي : ) ، وإستعنت في الخلفية بعمل المصممة اللاتينية Aletha Kuschan ، كانت اللوحة عن البوم الصامت. 

باتريسا.. وأنا!

“هذا النص، كتب بقلم الدكتور نايف القناص.. طبيب سعودي، قال عن نفسه: رجلٌ غير محترم، يسعى للكمال بكثرة الآثام.. هنا صفحته في تويتر، وهذا حضوره -الرائع- الثاني بمدونة اللحن الأخير.

عليَّ أن أعترف..
لقد شعرت بالغيرة من أحد أصدقائي المسعفين و هو يروي لي مغامرته الأخيرة في أحد ثانويات البنات بالرياض، نعم أعترف..
فعندما تعيش في مجتمع ذكوري، لا ترى فيه من النساء سوى عباءاتهم السوداء، تتنامى في داخلك الرغبة لاقتحام تلك التجمعات النسائية المغلقة من مدارس و كليات و جامعات..
كيف يعيشون؟ و بماذا يتحدثون؟ هل يرتدون الحجاب داخل الحرم أم لا؟

لم تدم هذه الغيرة طويلاً، و بفضل الحس الأمني الذي اكتسبته من فيصل العتيبي، عرفت بأن د. شريف بطرس، ينوي تسجيل ابنته عند أحد المدارس العالمية..
هل تدركون ماذا تعني مدرسة عالمية؟ هل تدركون؟
الجميل في الأمر أنني كنت و لا زلت على علاقة طيبة بهذا الطبيب، هاتفته على الفور، رجوته أن يسمح لي بمرافقته، و وافق بصدرٍ رحب..
هو يعلم سبب إصراري على مرافقته، و يعلم بأنني سأذهب في مهمة تشبيك رسمية!
حأضبطك.. و لا يهمك.. (بهذه الكلمات أنهى د. بطرس مكالمته)..

د. شريف بطرس..
رجل لطيف، بسيط، طيب، و متواضع..
يحلم كل يوم بالعيش في دولة علمانية تنظر إلى الأديان السماوية على أنها تجليات ثلاثة لعبادة الله!

سعدت بهذه الموافقة، و رافقته فعلاً إلى المدرسة..
دخلنا المبنى و توجهنا ناحية الإدارة، حيث استقبلتنا فتاة جميلة جداً عرفت فيما بعد أن اسمها “باتريسيا”، التي بادرت إلى مصافحة د. بطرس!
و الله ما أوفرها (قلتها بيني و بين نفسي)..
مددت يدي لأصافحها، فصافحتني..
لقد كاد أن يغمى علي، وددت أن أقطع يدي بعد تلك المصافحة، لم أعد بحاجة لتلك اليد حيث لم يسبق و أن لمست شيئاً بهذه النعومة.. أبداً أبداً!
طلبت مننا الجلوس و الانتظار ريثما تنتهي من أعمالها، تركتنا و راحت تتنقل بين المكاتب بكعبها العالي..

أرجوكِ..
أرجوكِ توقفي عن التحليق حولي..
يا الله!
كم يثيرني صوت الكعب!

لعلي أعود بكم إلى قصة قديمة ذات صلة..
عندما كنت مراهقاً، و كان الوقت إجازة، حصلت بطريقة ما على فيلم، فيلم من نوع خاص، حلفت بالله مئة مرة أن يعود هذا الفيلم إلى صاحبه دون فضيحة و دون أي شوشرة، أنا الأن أتعامل مع قضية حساسة، و هذا الشريط الذي بين يدي هو في الحقيقة قنبلة موقوتة!

كم شعرت بالامتنان لهذا الرجل الذي أمدني بالبضاعة، كنت أرى حديث رسول الله: “من فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة” يتجلى أمام عيني..
دعوت الله أن يوفقه، و يرزقه، و يزوجه، ثم يموت شهيداً حتى يدخل الجنة دون حساب!
لعل من المثير، وقتها، أن نلجأ لمصطلحات دينية كجزاك الله خيراً، و كتب الله لك الأجر، و غيرها.. عند تلقي أي فيلم ثقافي أو حتى فلوبي ديسك مليء بالصور..
بينما نستخدم جمل كتسلم يا ذيب، أو بعدي يا سنايدي، في باقي الأمور الحياتية..

المهم، أن نايف القناص بحوزته الأن فيلم ثقافي، لكن السؤال هنا: أين سأشاهده؟
البيت؟ مستحيل.. بل هو من سابع المستحيلات..
غرفة السائق؟ كيف سأبرر وجودي في غرفته؟ مستحيل.. مستحيل..
ما العمل؟ خطر ببالي أحمد..

أبوحميد، هو جاري و صديق طفولتي، تخرج في جامعة فيرجينيا كومنويلث قبل سنة، و يعمل الأن كموظف مرموق بشركة سابك..
لماذا أحمد؟ لأنه صاحبي و كاتم أسراري، يعرف كل شيءٍ عني، و الأهم من هذا كله أن بيتهم يحتوي على ملحق منعزل بشكل تام عن البيت..

كان علي أن أقتنص الوقت المناسب، في شبابي كنت أفضل فترة “القايلة” و فترة ما بعد الفجر للقيام بأي مغامرة!
لم أنم تلك الليلة، كنت أنتظر صلاة الفجر، توجهت إلى المسجد فوراً، صليت الفريضة، و اتجهت إلى أحد زوايا المسجد حيث كان أحمد يستغفر ربه بعد الصلاة، مرتدياً سروال أديداس و قميص الهلال كعادته..

قلت: بالخير..
أومأ بتحيتي دون أن يرد و أكمل استغفاره..
قلت: أحمد..
قال: هلا أبوالنيف..
قلت: عندي سالفة، و المسجد لا يصلح..
خرجنا من المسجد و صارحته بالكنز الذي أمتلكه، فيلم مدته ساعة و نصف من الاستعراض المثير..
اتسعت بؤرة عينه و قال: وينه؟ وينه؟

كم كنت أتمنى أن أشاهد هذا الفيلم بمفردي، لكن أحكام المراهقة و ضريبتها بعد وجود استقلالية جعلتني ألجأ إلى ملحق أحمد العظيم..
كنت و لا زلت أهتم بالتفاصيل، كأي رجل مصاب بـ “أو سي دي”، طلبت من أحمد أن يوقف الفيديو عند ظهور طاقم التمثيل حتى يتسنى لي تدوين أسماءهم، لكنه لم يصغي إلي..
على كلٍ، استطعت أن ألتقط اسلم البطلة، بطلة العلم و الثقافة، بطلة الاستعراض، و لا زلت أتذكرها حتى اللحظة، الله يذكرها بالخير..
كان اسمها “أريا جيوفاني”..

بدأ الفيلم..
و صمت رهيب يخيم على الملحق، و لا صوت يعلو على صوت المكيف، لم نكن نجرؤ على رفع الصوت بطبيعة الحال، و لم نستمتع بالاستماع إلى تأوهات ابنة جيوفاني للأسف..
لاحظت شيئاً لم أكن أفهمه وقتها أثناء استعراض أختنا الفاضلة..
و سألت: أبوحميد.. البنت ليه لابسه كعب؟ ما فائدته و قد تجردت من كل ملابسها؟ أعتقد بأنه يعيق حركتها يا رجل..
فرد بكل حدة قائلاً: كل زق و طالع!

الأن عرفت!
الأن، بعد مرور كل هذا الوقت، أعرف لماذا كانت أريا جيوفاني ترتدي الكعب بينما باتريسيا تستمر بإصدار تلك الأصوات المثيرة..
أرجوكِ باتريسيا.. كفاية.. أنا غلبان!

لقد طال الانتظار..
و لعل باتريسا أدركت هذا الأمر، التفت ناحيتنا و لاحت منها ابتسامة، تطلب منا أن نعطيها المزيد من الوقت..
طلب منها د. بطرس أن تسمح لنا بأخذ جولة في المدرسة، و هذا ما حصل..

توقفنا عند لائحة الشرف، صورة جماعية لبنات و صبيان، أصابني الذهول!
لم تكن هذه الصورة أكثر ما لفت انتباهي، أشاهد الأطفال برفقة أمهاتهم، نساء جميلات، كلهن جميلات، و كلهن ذوات أجسام رشيقة على الرغم من الحمل.. ثم هذا الطفل؟
ألا يستحي أن تحضر أمه إلى المدرسة؟

عندما نشاهد هؤلاء الصغار، و نتذكر كيف عشنا؟ و كيف استقبلنا كل هذه العقد؟
لقد تشبعنا بها، أي العقد، حتى لم يعد لنا أي سبيل لإنكارها..
نعم، نحن قوم معقدون!

إن الفرق بين مدارسهم و مدارسنا كبير جداً، و لعل أغلبنا لاحظ هذا الشيء من خلال مسلسلاتهم و أفلامهم..
هم لا يفرضون المعلومة على طلابهم، و لا يحملون كثيراً هم الاختبارات، الذي كانت ترتعد فرائصنا لمجرد اقتراب موسمه..

والدتي المسكينة!
كم عانت معي عندما كنت طالباً في المرحلة الإبتدائية، لن أنسى ما حييت تلك الليلة، التي سهرت فيها إلى الساعة التاسعة مساءاً..
و هذا شيء غريب استناداً إلى عرف أسرتنا التي ينام الصغار فيها عند تمام الثامنة..
لم أكن أعرف معنى الشفقة..
إلا أنني عندما أتذكر ذلك اليوم، أدرك تماماً بأنها كانت مثيرةً للشفقة!

لقد عجزت أن تحفظني الدرس الفقهي “صفة الصلاة”، كانت تريد مني أن أحفظ هذا الدرس حتى أتميز عن بقية زملائي..
كانت تقول: نايف ما تعرف تصلي؟
لقد كانت تدرك في قرارة نفسها أن ابنها يعرف كيفية الصلاة بفضل خاله الذي كان يصطحبه إلى المسجد..
لكن كيف لابنها الصغير، و ملاكها الجميل، أن يفهم ثم يحفظ، أم مجافاة العضدين عن الجنبين شرط من شروط السجود؟
بعد مرور سنوات طويلة عن تلك الحادثة، لا أدري ما المقصود بالجنبين و لا أدري أين موقع العضدين في جسم الإنسان؟

هناك، كل الأطفال يحبون المدرسة، يحبون مدرسيهم و مدرساتهم على السواء، يحملون الولاء للكيان الذي يدرسون فيه..
تجدهم يملؤن الكنيسة لحضور مسابقات التهجئة، و يحتفلون مع أبنائهم و إن خسروا، و كل هذا بمباركة القسيس..
ثم يرحلون بعد أن يؤدوا الصلاة باسم الأب، الابن، و الروح القدس.. كوسيلة شكر على نعمة الأبناء!

و في المنافسات الرياضية، يشجعون أبناءهم بكل حماس، و إن ابتلوا بابنٍ سمين، لا يجيد استقبال و إيصال الكور..
مهما كانوا سيئين.. هم لا يجدون إلا الدعم ثم الدعم ثم الدعم!

هنا..
لا نعرف إلا الترهيب!
عندما كنا في المرحلة الإبتدائية، كانوا يقولون لنا أن في المدرسة، و في مكان سري خلف مكتب المدير، يوجد غرفة بها الكثير من الفئران، و بها فأرٌ كبير، كبيرٌ جداً..
يفترس كل شيءٍ أمامه، و يحب الأطفال كثيراً لدرجة أنه لا يبقي فيهم عظمة واحدة!
كنا نخاف كثيراً من هذا الفأر، صاروا يهددونا به كلما أصدرنا أصواتاً مزعجة أو قمنا بأعمال طفولية..
بالله عليكم..
إن لم نلعب و نحن صغاراً، فمتى سنقوم بهذا الحق بحق الجحيم؟

فاجأنا ذات مرة أستاذ اللغة الإنجليزية باختبارٍ مفاجيء، طلب مني و من أحد الأخوة الوقوف و كان اسمه عبدالله، و من ثم التوجه نحو السبورة..
قال: نايف! أكتب لنا الحرف “T” و أكتب لنا يا عبدالله الحرف “F”، و اللي مش عارف يجاوب؟ حنوديه لغرفة الفيران!
ما إن سمعت كلمة “فئران” حتى تسارعت نبضات قلبي و أصابتني الرعشة، حاولت أن أحافظ على هدوئي و لكن دون فائدة..
لم أستطع التفكير، و لم أكتب يومها الحرف “T”..

لقد ساهم المجتمع بزرع الخوف في داخلي تجاه أي كائن الحي: غرفة الفئران، حمار القايلة، و غيرها من الأساطير..
إنني الأن أخاف، حتى، من القطط! إنها الحقيقة!

كانوا، عبثاً، يقولون لنا أن العقل السليم في الجسم السليم..
مع ذلك؟ كانوا يجدولون حصة الرياضة البدنية كأخر حصة، حيث الشمس الحارقة، و الوقت القصير، و كانوا يستغلون الفسحة لأجل المناسبات الرياضية..
و بدلاً من الدعم؟ كانوا يعاقبوننا بالوقوف في الحصة التالية، لأننا أردنا أن نأكل شيئاً بعد المباراة و تأخرنا لهذا السبب..
و لست بحاجة أن أقول أن الحصص التي كانت تلي مباريات الدوري، تكون رائحة العرق تسيطر على المكان.. لم يكونوا ليسمحوا لنا باستخدام “الشاور” خوفاً على بعض الطلاب من التحرش!

كانوا، فيما مضى، يوزعون علينا دفتراً يضم أوراقاً أشبه بالكوبونات، يتراوح سعر الكوبون من ريال إلى خمسة و حتى عشرة ريالات، تختلف الأسعار باختلاف نوع الدفتر، كوسيلة للتبرع لأخواننا المسلمين المنكوبين حول العالم..
كانوا يمارسون الإغراء بالدرجات و المعاملة الحسنة، لو قمنا بأخذ هذا الدفتر و الوقوف أمام باب المسجد كالفقراء و الشحاذين، حتى نوزع الكوبونات على المصلين..

أعرف شخصاً، كان يتسلل إلى غرفة وكيل المدرسة، لسرقة ما يستطيع من هذه الدفاتر، ليمارس الشحاذة بصفة رسمية، و بمباركة من الأهل و المجتمع..
و كان يجمع الكثير من الأموال، ليشتري بها الدخان، حتى تطور به الحال مع تطور الأيام، و صار يشتري علب مياه صحية، تحوي سائلاً كريه الرائحة، عرفت فيما بعد أنه العرق!

في تلك الفترة (1997-1998) لم يكن الإنترنت شائعاً بين السعوديين، و كان مقتصراً على العائلات المخملية و أبناء الموظفين في أرامكو..
كان الوكيل، يكلف أحد المترفين، لطباعة أخبار المجاهدين من موقع إلكتروني كان يسمى “أخبار القوقاز”، ليتلوها علينا قبيل صلاة الظهر، و الويل و الثبور لمن لا يقول “الله أكبر” بعد قراءة أي خبر!

لعل هذه الذكريات تأخذني إلى أحد الأيام التي لاتنسى، و لا يمكن أن تنسى..
كنا طلاباً في المرحلة الثانوية، و كان مقرراً علينا في الأحياء درساً يتحدث عن “الانقسام الخلوي و الغير خلوي”..
و بكل تأكيد، لن أنسى صديقي فهد، الذي سأل سؤالاً لم أجد له إجابة حتى الأن!
إلا أن سؤاله قوبل بالسخرية، عندما قال: هل تستمتع الحشرات و الكائنات الدقيقة بعملية التكاثر كما يفعل الإنسان و بقية الحيوانات؟
أجزم أن فهداً، لو طرح هذا التساؤل في مدارس الغرب لفتحوا له المختبر، و أمدوه بعديد الكتب و الدراسات حتى يجد إجابةً لسؤاله..

أما الأخر، صديقي محمد، تسائل يوم أن ذكر الأستاذ أن هناك خلايا لا تنقسم كالبيض، و أن البيضة تعتبر خلية واحدة فقط و تعد من أكبر الخلايا.. قال: أستاذ! و هل تنقسم بيوض الإنسان؟
تجهم وجه الأستاذ و كأن صاحبنا نطق كفراً!
و قبل كل شيء؟
بادر إلى ضربه و قال: أيه! بدها تنقسم إلى 4، 8، و 16 كمان!
منذ ذلك الحين و محمد يعبث بأعضائه التناسلية، ينتظر الانقسام المنتظر، حتى يفاتح أهله بموضوع الزواج، و يرفع رأسهم بتلكم الست عشرة بيضة!

توجهت باتريسا ناحيتنا و سألت د. بطرس: كيف هي الجولة؟
اللعنة!
لماذا لا تسألني؟ لماذا توجه كلامها كله لبطرس؟
مشت أمامنا و طلبت مننا الجلوس خلف المكتب، و الحق يقال.. لقد كانت تتمتع بأدب رفيع و ذوق جم..
في الحقيقة؟
شخصيتها مرحة، و وجهها يشع تعبيراً، كما لو أنها جاهزة دائماً لتنفجر في ضحكة غنج!

كانت تتبادل الحديث مع د. بطرس و كنت صامتاً..
أفكر..
أريد أن أفتح معها أي موضوع، و بكل صراحة، أنا معجب بها و أريد أن أتخذ منها صديقة.. لكن ماذا أقول؟
سأخترع قصة.. أي قصة.. المهم هو أن أحظى بحديث معها..

أدرت وجهي ناحيتها و قلت: ممكن سؤال؟
قالت: تفضل..
قلت: أفكر أن أودع أولادي في هذه المدرسة.. هل هذا ممكن؟
قالت: بكل صراحة، نحن لا نقبل السعوديين، إلا فيما ندر و في حالات نادرة و ضيقة..
هنا تدخل د. بطرس و قال: بالمناسبة، د. نايف أخصائي أمراض كلى.. ثم غمز بعينه ناحيتي!

أخصائي أمراض كلى؟
يا لبى قلبك يا بطرس.. و الله تعرف تضبط!

قالت: ما شاء الله.. فين شغال؟ في السعد؟ ضمان “جاوزي” الطبي في السعد؟
قلت لنفسي: زوجي؟ مستشفى سعد؟ ما هذا الهراء؟
قالت: أد أيش عمر أولادك؟
قلت: في الحقيقة، لم أتزوج بعد، و إنما كنت أخطط للمستقبل.. (قلت لنفسي: المستقبل الذي هدمتيه قبل قليل)..
قالت: معاك حق، بنتي الصغيرة عمرها أربع سنوات، و بدي أسجلها بمدرسة فرنساوية هون، مع أن قسطها 21 ألف ريال في السنة..

بنت الكلب!
من أين لها أن تدفع هذا المبلغ ككلفة حاضنة لابنة لا تتجاوز الأربع سنوات؟
أي حاضنة هذه التي تكلف 21 ألفاً؟ هل يوجد عندنا مدرسة فرنسية أصلاً؟ ربما تكذب؟
لا أعتقد..
إنها تتكلم بثقة!
أنا أجزم أن طفولتي لم تكلف والدي 20 ألف ريال، و إن افترضنا جدلاً بأنني كنت مخراءاً مضراطاً أستهلك الكثير من الحفاضات و أشرب كميات كبيرة من الحليب!

و الذي نفسي بيده، لو لم تقل لي بأنها متزوجة و غنية و أن تأمين زوجها يكفل علاجها بشكل مجاني عند مستشفيات سعد؟ لأمطرتها بوابل من عبارات العشق و الهيام..
أنا أحبك..
أنا أموت فيك..
أنا اخترتك بالذات من بين كل الحريم..

إنتهى د. بطرس من تسجيل ابنته، و ودعنا باتريسيا، و كنت شارد الذهن!
شعر د. بطرس بما كنت أشعر به..
قال: إحنا غلابه يا عم.. بس إنتَ حمار.. ما بتعرفش تضبط؟
قلت: متزوجة يا دكتور!
قال: و أيه يعني.. هم كلهم كدا!

أطلقت تنهيدة و يبدو أنه تعاطف معي لفرط عمقها!
مد لي سيجارة لأشاركه التدخين، لكني رفضت طلبه بلطف كوني أدخن نوعاً مختلفاً عن الذي يستخدمه.. أصر في طلبه و قال: و النبي ما تكسفنيش!
كيف أرد مسيحياً يحلف برسول الله محمد؟
أخذت السيجارة و دخنت.. و دخنت.. و دخنت!

هامش/
بعد أن أنهيت كتابة هذا التدوينة، لجأت إلى قوقل لأبحث عن حبي الأول/ أريا جيوفاني..
تصوروا.. تمتلك موقعاً إلكترونياً خاصاً، و سيرتها الذاتية موجودة في موسوعة ويكيبيديا، إنها تعمل الأن كعارضة أزياء مرموقة، إلا إنني صعقت عندما شاهدت صورتها..
صارت قبيحة..
و كبرت في العمر، و اكتشفت أيضاً، أن لها حساب في تويتر، و يتابعها الألاف من المعجبين، 30 ألفاً يعرفون ابنة جيوفاني؟ أين موقعي منهم؟
شعرت بالخيبة..
كنت أعتقد بأنني الوحيد الذي يعرفها، و أنني الوحيد الذي يهتم بحفظ أسماء المومسات و فتيات الليل!

هل يسمعني “الموت” ؟

على مر الليالي والسنين..
ومن مينا بها الدنيا لمينا..
نعيشك يالحزن في كل ساعه..
كأنك واحدٍ منّا وفينا.

المرسل: مصعب..
*صورة من هاتف الحزن*

أعتذر كثيراً إلى مقامك يا جدي الكبير، أنا غير قادر على الحديث عن فقدك، ربما لأنك كنت الرجل الشديد في حياتي، كنت صخرة صلدة لم أرى مثلها.
زرتك قبل موتك بليلتين.. طرقت الباب.. ودخلت غرفتك الممتلئة بالتعب، والمرض، ورائحة الموت.. كم كانت الجدر حزينة أنها ستودعك.. وحادثتك: “يا عودنا.. ويا شايبنا.. مصيعيب قدامك.. ”
ولم يجبني في الغرفة، سوى “طنين” المحلول الذي قارب على الإنتهاء، أجبت على “الطنين” بدعوة من قلب متعب، وقبلت رأسك، وليتني علمت أنها الأخيرة، ورب الذي خلقنا والقبل، مارفعت شفتي عن جبهتك.

أعتذر مجدداً.. أنني فعلاً أجلس مع الموت الذي غدر بك، وسرقك منا، أنا أحتاج حالياً لأن أوضح مسألة مهمة، وأعقد صفقة جيدة، وأستثمر مابقي من خلايا تفكير.. لم تخطفها “فواجع” الأيام، وضربات الفقد.

صديقي الموت..
أنا أقدم لك نفسي والجسد، روحي والقلب.. وأن تأخذني حينما ترسلك السماء لتأخذ أمي!.

روحي أكثر عبثاً وصخباً من روحها الساكنة..
جلد جسدي أكثر طراوة للنار، وأكثر تيبساً.. من جلدها الطاهر..
أنا أسمع الأغاني، وأتابع الأفلام، وأشتم كثيراً، وأصنف صايع ركن.. وهي داعية، ومحاضرة، ومدرسة، وأم.. ألا يكفيك أنها أمي؟ ألا يكفي أنني مهما كبرت، وضخمت، أظل صغيرها دوماً، ألا يكفي أن تأخذني بدلاً منها؟..
كل ملائكة العذاب تخجل من تألمها، وصراخها، أنا منذُ صغري كنت ولا زلت “موصعب” ولست “مصعب”.. أنا لم يصعب عليّ تحمل شيء في قاموسها، وأظن أني سأزعج أهل الجنة يوم أصلى العذاب، لكنني سأخبرها قبل الرحيل: أنا في الجنة يا “وميمتي..”..

صديقي الموت..
لماذا أعتقد أنك تأخذنا للنار؟
لماذا أراك تجرُّ الأرواح من الأرض وكأنك ترى دمعنا وتبتسم؟
هه.. ااهه.. “يالله”.. “يارب”.. ونفس تقطع.. وصدر يرتفع وينخفض.. وجسد يتراقص على الفراش.. ويعود النفس يضطرب.. و”هااه ياربي رحمتك”..
نعلم كل الكلام، وتصعب علينا أن نضمن “لا إله إلا الله..” فبحق السماء كيف تريدني أن أشعر أنك تأخذنا للجنة؟

سأخبرك ياصديقي -الموت- ماذا فعلت..
رأيت أبي وكيف صار طفلاً صغيراً يجهش بالبكاء على فقد والده، وعدت كالرضيع للمنزل..
أيقظت أمي وارتميت كالرضيع بحضنها.. بكيت.. بكيت كثيراً.. وطلبتها: يا أمي.. لا يأخذك الموت!.

أنا تعبت جداً..
جداً..
جداً..
وكثيراً!

يارب..
أوَ يُمكن حينما تقرر أن تأخذ أمي، أن ترسل ثلاثة أشياء: الحزن.. والنسيان.. وموتاً أعوراً!.
موتاً أعوراً تأمره أن يأخذ أمي، وهو أعور البصر، فيأخذني.
وأريد حزناً يلتهم وجهها، فتناظر وجهي الراحل وتقبله.. وتبكي.. وتقول: ياربي رضيت عن ابني الصايع، فأرضى عنه.
وأريد نسياناً، يجعلها تنسى موتي، فتعد شاهي أخضراً كما أعتادت بعد نومي.. ذاك اليوم.. أنا فعلاً نمت عندك يالله!.

أخيراً.. أقول -حتى لك أيها الموت- كلما سنحت لك الفرصة أن تختلس الثواني، لتقبيل “باطن” قدم أمك، فأفعل، إنني والله أخشى على نفسي من ذلك اليوم الذي سيأتي، وتموت في جوفي كلمة “أمي”.. أشعر أنني سأصبح “أبكماً”.. أعتقد إعتقاداً عميقاً أنني ربما أقطع لساني، فما الكلام يومها، ولا فيه “يا أمي.. يمه.. يا ماما”؟.

رسالة إلى المدعو “فرح” :
أتذكرُ عهداً قطعناه يوماً؟
“بآن نتآخى.. كظلٍ لصيق!”
زهدت.. بقربي وخلفت قلبي..
حزيناً.. رهيناً.. لغم وضيق!.

المرسل/ مصعب اللي فوق..

الباب (الأول) ، القتل (الأول)..

يوماً ما، وحينما نجلس على طاولة واحدة، سأفكر نحوك..
سأستغل عودة الساقي نحو قسم الخدمات، لأسرق من جيبه الخلفي سكيناً أقتلك بها، سأطلب لك ربما مثل ما أطلب لنفسي، كوب “لاتيه دي كاف”.. سأضاعف السكر في كوبك كثيراً، من الممكن أن تعدل السماء بيننا فتصاب بالسكر، ثم جلطة سريعة، ثم تموت أمامي وأنا سعيد جداً..

يقلقني وجودك في الحياة، كان وجودك يعني عدم النوم فوراً عند سقوط رأسي على الوسادة، كان يعني زوال الخشوع الكلي في الصلاة، كان يعني أن أجلس أمام الناس، فيتحدثون وأنا راحل للمدى والأفق..

إنك أثقل من مشى على قلبي، أثقل من وقف على “حجاجي“، أبطأ كومة خلايا دمٍ حمراء زارت شراييني وياليتها خرجت من جسدي، يقول ميلان كوندرا “هل هو الثقل حقاً فظيع؟ وجميلة هي الخفة؟“.. يا ميلان، يامعلمي هل تعرف المستقبل؟ قتيلي هو وأنا المجرم..

المستقبل..
يا لثقل الكلمة، إطباق شفتين أولها، وتعلق لسان بسقف الفم في آخرها!،
يا لبغض النطق حتى..
يا لإتعاب الأصابع..
كل حرف في زاوية!

مالذي يجبر الإنسان المستكن، أن يفكر فيك؟ مالذي يتعب العاشق أكثر إتعاب أن يهتم لأمرك؟ لماذا لم تكن غائباً كلك؟ كيف ستكون الحياة؟

أنا أعلمك..
سأصل بحبي، لها، للدرجة التي لا يقلقني فيها سوى أن نراعي الله في مدى ضحكاتنا، ولا تنشق رئتي من شدة الضحك.
سأجتهد جداً جداً في الطب، وأنا لا أدري أن خاتمة مصيري، هي طبيب في مستشفى يتصبح ويتمسى على “حمار.. منت دكتر“..
سأجول كل الأرض، وأنا لا أفقه أن القاعدة ستجرؤ من باب الجهاد على ضربة أخرى، فأعتقل في وطني إسكندنافي آخر لأنني مسلم..
سيثور كل العُرب، ولا يدرون إلى أين سيصلون، لكنهم يعرفون أمراً حسناً واحداً -وهو ليس منك بالمناسبة- أنهم “للجينة رايحين“..

لماذا نحن محاصرون يالله؟
خلقتنا..
ونحن في حصار طويل، بين تبعات الماضي، وآمال المستقبل..
أنا يالله، قادر على التخلص من تبعات الماضي، قادر على أن أطوّع حاضري كما أريد، لكن مخلوقك المستقبل ، ليس بيدي حتى التأمل فيه!..
“الحظ أعمى يا مونولاكاس” – كم قال أليكسيس زوربا..
والمستقبل كله حظوظ، وما أعمى وأبعد وأجهل حظي من بد كل الناس!

أنا قررت منذ زمن..
ألا أفكر في المستقبل!

قررت أن أتجاهلك، أن أراك في الحي ولا أسلم عليك، أن أقود سيارتي ولا أحدق في الأفق وأراك تترآى لي بإبتسامتك، قررت أن أنساك.. أن أتعمد غباءاً بشرياً وأتناسى كيف ترسم حروفك، أنت هل تكتب هكذا “متسقبل؟” أم هكذا “قبتسمل؟” .. هل ترى؟ لقد نسيتك؟

أنا لا أنسى مخلوقات الله.. ولو كان للجنة باب في تذكار المخلوقات، لكنت أول من يدخل منه، لكنني أريد أن أعيش سعيداً وأعيش اللحظة (الملعونة) التي يرددها الاخرون..  ولو كان على حساب أن أنسى “المستقبل”!.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

نتالي / مكادي .

دقايق تسعدها / كارول سماحه

السيناريو المفترض، لرجل يرغب في تطليق إمرأه، أو لآخر يرغب بضرب فتاة، أو حتى حين يرغب في شتمها.. أن يخرج قلبه، ويضعه في إحدى جرائم التفجير التي تحدث في المنطقة، فلا حفظ قلبه ليعيش، ولا أماته فيما يستحق!.

لستُ راغباً أن أقف دوماً مع المرأة، ولن أكون محامياً لذلك القلب المخلوق من حنان.. لكنني “أتوه” عند دمعتين: طفل صغير وفتاة تبكي على سريرها، على قارعة الطريق، على مدخل السوق، عند طاولة المقهى، بجوار هاتفها.. إنهن ليسوا ضعفاء، لكنهن مخلصات، في كل شعور، في كل إحساس.

كما تردد كارول سماحه: “يا ما فرحت.. نجحت.. ضعفت.. وقفت..”.